من كتب الشيخمراجعاتتأملات |
فكر - الإسلاميون والديمقراطية في الوطن العربيالأحد, 05 نوفمبر/تشرين الثاني 2006
النظام الديمقراطي جملة من الترتيبات الحسنة طورها البشر على امتداد مئات السنين من أجل الحد من الطغيان والتفرد بالسلطة، بما يضمن أو يرجح ولو نسبيا أن يكون القرار الذي يخص الجماعة لا يستقل باتخاذه فرد أو مجموعة صغيرة ، وإنما يشترك في اتخاذه أكبر عدد من الجماعة أو ممثليها ، على نحو يعبر عن مصالحهم باقصى ما يمكن ويحفظ وحدتهم وشعورهم بأن السلطة سلطتهم وفي خدمتهم وليست مفروضة عليهم قاهرة لهم، وهو ما يضفي عليها شرعية تنزل بحاجتها لاستخدام العنف المشروع الى أدنى درجاته. قال رسول فارس وهو يشاهد خليفة المسلمين نائما تحت شجرة "عدلت فأمنت فنمت". رغم أن النظام الديمقراطي الذي عرف في بلاد غربية واستقر خصوصا منذ أكثر من قرن قد اقترن غالبا بالفلسفة المادية العلمانية حيث أقر مبدأ الفصل بين الدين والدولة، فتمارس الدولة سلطانها باستقلال في المجال العام ويتحرك الدين في المجال الخاص، رغم أن ذلك ليس قاعدة مطردة، بل تترواح العلاقة بين موقف علماني متطرف يصل الى حد استهداف الدين من قبل الدولة كما هو الحال في "الديمقراطيات الاشتراكية" وبين تطرف أقل كما هو الحال في النمط الفرنسي والتركي ، وبين موقف أقرب الى الاعتدال كما هو الحال في النمط البريطاني حيث ترمز رئاسة الدولة الى السلطتين الزمنية والدينية. ولربما يندرج رهان الاسلاميين الاتراك ضمن مسعى إصلاحي داخل المنظور العلماني تليينا لجانبه وانتقالا به من علمانية متطرفة الى علمانية سمحة. 3- هل في عقائد الاسلام وشرائعه وقيمه ما ينافي هذه الترتيبات الحسنة :الديمقراطية؟ إذا أمعنا النظر في تلك المبادئ والشرائع والقيم لا نلفى فيها ما يحيف على تلك الترتيبات أو يضيق بها، بله أن يصادمها . الحق أن الاسلام لا يمكن إلا أن يكون مبتهجا سعيدا بتوصّل البشرية الى هذه الترتيبات الحسنة للحكم، سبيلا لتحقيق مبادئه في العدل والشورى واحترام الذات الانسانية محل التكريم الالهي والمقصد الاسنى لبعثة الانبياء والرسل. قال تعالى:"ولقد كرمنا بني آدم"/الاسراء69/. وقال جل جلاله"لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط"/الحديد23/. إن القرآن الكريم قدم فرعون نموذجا ورمزا للحاكم المستبد في كبريائه وجبروته :"إن فرعون علا في الارض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم ،يذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم .إنه كان من المفسدين"/القصص2/"أنا ربكم الاعلى "/النازعات23/. وبين القرآن العاقبة الوخيمة له ولقومه لمّا أطاعوه"وأضل فرعون قومه وما هدى"/طه76/"فأوردهم النار، وبئس الورد المورود"هود97. مقابل ذلك قدم القرآن في استحسان ملكة سبأ نموذجا للحاكم الصالح بسبب اعتمادها الشورى في اتخاذ قراراتها "قالت ياأيها الملأ افتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون"/سبأ31/ أ- راينا أن ذلك ليس عائدا الى الاسلام ، فالاسلام لا يحتاج من أجل القبول بالتعدد السياسي أو الديني الى الخضوع لجراحات وإصلاحات كما فرض على المسيحية ، فالذي يقبل بالتعدد الديني" لا إكراه في الدين"/البقرة254/ يقبل بالتعدد السياسي من باب أولى، وهو ما أرسى أرضية خصبة في مجتمعات الاسلام لتعدد المذاهب الفقهية والكلامية والتربوية والجماعات السياسية، كما أفسح المجال فيها لتعدد الاعراق والنحل والديانات.ومنع قيام محاكم تفتيش وحروب تطهير عرقي. ب- هل تكون حركات الاسلام التي تتخذ من احياء منهاجه في الحياة واستعادة مجده أرضية لعملها وهدفها الاسنى، هي العائق أمام التحول الديمقراطي للمجتمعات العربية، كما هو زعم البعض الآخر؟ صحيح أن أطرافا في التيار الاسلامي المتدفق والواسع لا تزال ترفض الديمقراطية لأسباب تغلب عليها الشكلية من مثل الوقوف عند تعريفات حصرية مبسطة لكل من الديمقراطية والاسلام تضعهما موضع التقابل والتنافي. اوليست الديمقراطية هي اتخاذ الشعب حكما مطلقا ؟ أوليس جوهر الاسلام الاحتكام لإرادة الله المطلقة ؟ فهل من سبيل بعد ذلك لعلاقة وئام وتوافق وصداقة بين الديمقراطية والاسلام؟ إنه حجاج من قبيل الحق الذي يراد به الباطل. إذ الديمقراطية ليست دينا حتى تقابل بالاسلام بقدر ما هي ترتيبات لإدارة الاختلاف بين البشر سلميا ، فهل الاسلام الذي أكد أن الاختلاف بين البشر "مركوز في أصل الخلقة"/حسب تعبير سيد قطب في تفسيره للآية 176من سورة هود"ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم"، هل تراه يدفع معتنقيه الى أن يديروا اختلافاتهم حربا أم سلميا ؟ أوليس هو الذي أمر رسوله باعتماد الشورى في إدارة الاختلاف "وشاورهم في الامر"/آل عمران158/ حتى أنه عليه السلام كان أكثر الناس مشاورة لأصحابه؟ فهل يظن هؤلاء الشكلانيون المنكرون للديمقراطية أن الحكم لا يكون اسلاميا حتى يكون متمردا على ارادة الشعب ؟وهل يكون الحكم اسلاميا إذا لم يكن شوريا؟ وهل يكون شوريا إذا لم يكن معبرا عن ارادة الشعب؟ وهل الديمقراطية شيئ آخر غير هذه الترتيبات التي تحقق مقصد الشورى في ادرارة الاختلافات سلميا ؟. ولأن الشعوب تختلف ثقافاتها ودياناتها فإن آليات الديمقراطية تنجز عملها ضمن القيم السائدة في مجتمع معين ، بما يجعل سلطة الشعب التشريعية مثلا ولئن بدت في الشكل أنها مطلقة إلا أنها في الواقع تعمل منضبطة وملتزمة بثقافة وقيم الشعب الذي تعمل في إطاره، مثل الالتزام بالقانون الطبيعي ومبادئ حقوق الانسان وجملة القيم العليا التي تمثل هوية ذلك الشعب والتي عادة ترد في توطئات الدساتير كالنص على النظام الجمهوري أو الملكي أو على دين ولغة الدولة المعنية ، مما يشكل الاطار العام القانوني والقيمي الذي تتحرك فيه كل مؤسسات الدولة الديمقراطية. فليس يسع المؤسسة التشريعية المنتخبة في دولة اسلامية أن تسن من القوانين والسياسات ما يتنافي مع ما ينص عليه الدستور من مبادئ عليا ومنها الاسلام، شأن ما يحدث في اي نظام ديمقراطي. وعادة تتخذ من مؤسسات الرقابة القبلية أو البعدية ما يضمن التوافق بين آليات الديمقراطية ومقومات هوية الدولة المعنية ، بلا فرق بين دولة اسلامية أو غير اسلامية. وميزة الدولة الاسلامية أن آليات الديمقراطية فيها تعمل في إطار قيم انسانية ثابتة تعلو مصالح الدولة ذاتها القيمة العليا في الديمقراطية العلمانية الغربية ، وهو ما فتح المجال أمام ساسة هذا النوع من الديمقراطية أن يرتكبوا أفظع الجرائم في العالم مثل إبادة شعوب امريكا اللاتنية الى سائر جرائم الاستعمار ونهب ثروات الشعوب ، بل بلغ الامر حد تعطيل آليات العدل والتستر على الرشاوى باسم مصلحة الدولة وارتكاب شتى ضروب تضليل الراي العام ، بينما مبدأ العدل مطلق في الاسلام ولا يخضع لمصلحة الدولة بل يجب أن تخضع له وهو يضفي الصفة الخلقية والانسانية على الديمقراطية الاسلامية، خلافا لمثيلتها العلمانية. ج- واضح أنه ليس الاسلاميون هم العقبة لأنهم عموما في المعارضة غير المعترف بها غالبا وفي أفضل الحالات تكون مسكوتا عليها، وفي كثير من الاحيان تدور الرحى عليها. وإنما تكمن العقبة في نخب حاكمة معزولة عن شعوبها تتمحض شرعيتها أكثر فأكثر في وظيفة العنف تكميما للافواه وشحنا للسجون بالمعارضين وإفراغا للدولة من السياسة لصالح مؤسسات العنف وإمعانا في تزييف الارادة الشعبية، ونهبا للارزاق حتى تحولت نخب الحكم الى ضروب من المافيا. والأسوأ من ذلك ما تتمتع به هذه الانظمة التي استهلكت من زمان شرعيتها من دعم غير مجذوذ من قبل الديمقراطيات الغربية في صمم كامل عن نداءات الشعوب واحتجاجات المنظمات الانسانية الغربية نفسها. ويبلغ النفاق الغربي والافلاس القيمي والسيطرة المطلقة لمنطق الربح الآني حد مسارعة دول الغرب الى الشد من أزر انقلابات دموية ضد ما أفرزته انتخابات ديمقراطية نزيهة كما حدث في الجزائر سنة1992، وقبلها في تونس حيث عمدت السلطة الى العبث بنتائج انتخابات 1989لأن الفائز في الحالين كان الاسلاميون. وبلغ الدعم للنظامين الانقلابيين حد عقد اتفاقات شراكة معهما. نصت في بندها الثاني على ضرورة احترام مبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان، ولكن ظل ذلك حبرا على ورق. وليس بعيدا ما حصل في فلسطين من معاقبة سافلة وحشية للشعب الفلسطيني المجاهد بسبب أنه اختار استبدال فريق فاسد بفريق توسم فيه الصلاح، ذنبه انتماؤه للتيار الاسلامي. ولا يزال النظام المصري يتمتع بدعم أمريكي غربي لا بسبب تطوره الديمقراطي، فهو يمعن في قمعها، بل بسبب أنه يرى استمراره في مصلحة الغرب رغم ما يحشده من مزيد كراهية للغرب ونقمة عليه. د- وفي هذا الصدد لا مناص من الالماع الى عقبة أخرى في طريق التحول الديمقراطي في المنطقة العربية أعني وجود الكيان الصهيوني الذي زرع في قلب المنطقة لإعاقة كل طريق لنهوضها وتوحدها، بما يكفل للمصالح الغربية بقاء هذه المنطقة متخلفة متنازعة ممزقة شرطا لبقاء هذه المنطقة الحساسة في قلب العالم والخزان الاعظم للطاقة ضعيفة بلا إرادة وبلا عزة وبلا استقلال حقيقي، مما هو لازم لضمان بقاء الكيان الدخيل معربدا بلا رادع . يعلم المخططون لهذه المنطقة وبالخصوص دهاقنة الصهاينة مدى كراهية الجماهير للاحتلال بما يجعل أي حكم ديمقراطي حقيقي سيعمل على وقف نهب الثورات وجمع صف دول المنطقة ودعم مشروع تحرير فلسطين. لقد نجح الصهاينة المتغلغلون في أعماق العقل والمؤسسة الغربيين في تركيز وإشاعة مقولة زائفة تحولت الى ما يشبه البديهية أن المصلحة الاسرائلية متماهية مع المصلحة الغربية والامريكية خاصة، وهو ما جعل كل محاولة فكرية غربية للتمرد على هذه المقولة بالدعوة الى ربط علاقات مباشرة مع الحركات الاسلامية باعتبارها قوة الشارع اليوم وأنها ليست معادية للديمقراطية و لربط علاقات متوازنة مع الغرب، تصدم مع العقبة الصهيونية التي ترى في مثل هذا التفكير نهاية المشروع الصهيوني الذي يمثل اليوم العقبة الاشد في طريق أي مسعى لتأسيس علاقات اسلامية غربية سوية لا تمر عبر الكيان الصهيوني، وسيظل الامر كذلك ما استمرت هذه الاستراتيجية الغربية في ربط مصالحها مع ربع البشرية وخاصة بقلب الامة والعالم:الوطن العربي، بسلامة وقوة الكيان الصهيوني الغاصب ، على نحو أنه قد غدا مقوما أساسيا في تعريف المسلم المعتدل أو الديمقراطي وتمييزه عن المتطرف أو الارهابي، معرفة موقفه من التطبيع مع الكيان الصهيوني!، وهو أمر تتجلى غرابته لو أننا نحن المسلمين ربطنا ملف علاقتنا بالولايات المتحدة بملف آخر هو ملف علاقتها بكوبا فأوقفنا كل تعامل مع الاولى على نهج تعاملها مع الثانية.!! الخلاصة من ذلك أنه لئن ظلت في التيار الاسلامي أصوات تتجهم المسالة الديمقراطية إلا أنها الى انحسار وضعف لصالح تيار الوسطية الاسلامية الذي تثبت التجارب المتكررة أنه قوة الشارع وقوة المستقبل وأنه يزداد يوما بعد يوم انخراطا ثقافة وممارسة ضمن تيار الاعتدال أو الديمقراطية الاسلامية. ولكن ذلك لا يكفي لانجاز التحول الديمقراطي ما ظلت موازين القوة لصالح القوى الغربية التي لم تقدم بعد على مراجعة حاسمة لمواريث القرون الوسطى وحروب الاستعمار التي لا تزال متحكمة في سياساتها إزاء الاسلام والمسلمين . وزاد الطين بلة التغلغل الصهيوني في العقل ومؤسسات القرار الغربي، بما جعل الاصوات المطالبة بالمراجعة والتعويل في ضمان المصالح الغربية لا على الكيان الصهيوني ولا على أنظمة فاسدة مستهلكة بلا مستقبل وإنما على ما تفرزه عملية ديمقراطية جادة حتى ولو جاءت باسلاميين، بعد أن بدا سافرا أنه في هذه المنطقة – على الاقل- لا ديمقراطية دون اسلام واسلاميين ، حتى مع افتراض تطرفهم ، فالممارسة كفيلة بالتصحيح. المشاهدات: 569 التعليقات (0)
![]() |