من كتب الشيخمراجعاتتأملات |
فكر - ما الجديد في "جهاد" القرضاوي؟الإثنين, 21 سبتمبر/أيلول 2009
بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة: تأتي أهمية هذه الندوة من انصبابها على أخطر مسألة في الفكر الإسلامي الحديث مسألة "الجهاد" لما تحتله من مكانة في بنية الإسلام باعتباره "ذروة الإسلام وسنامه" كما ورد في الحديث، ولما تصطرع فيها داخل الإسلام وخارجه من رؤى ومواقف شديدة التباين وذات الأثر الأعظم على جملة العلاقات الدولية بسبب الدور المتنامي للإسلام في العلاقات الدولية فضلا عن أثر هذه الرؤى على اتجاهات المسلمين في مستوى علاقاتهم فيما بينهم وفيما بينهم وبين حكوماتهم وفي علائقهم مع غير المسلمين وذلك بالنظر لما يشهده الإسلام من صحوة على امتداد الوجود الإسلامي سواء في المستوى العقدي أم في مستوى القيام بالشعائرفي اتجاه الإرتباط المتزايد بين الإسلام كدين (عقائد وشعائر وأخلاقيات) وبين كونه ايدولوجيا ذات التأثير الكبير على جملة أفكار ومسالك المسلم الإجتماعية والسياسية مما يسمى الإسلام السياسي حيث يحتل الجهاد القلب من هذا المفهوم على نحو أو آخر كما سنرى. أولا :مسائل تتعلق بالمنهج: حدد المؤلف في المقدمة الأسس التي اعتمد عليها في دراسته فهي أ-:الإعتماد أساسا على القرآن الكريم باعتباره النص القطعي في ثبوته بالتواتر اليقيني فهو الحجة على كل المصادر الأخرى بما فيها السنة النبوية ويفهم بحسب منطق لغته الأصلية العربية دون تعسف وعلى اعتبار أن كل نصوصه نزلت ليهتدى ويعمل بها ففي كل ما في المصحف معمول به غير منسوخ. ولهذا توقفنا طويلا عند قول من قال إن هناك آية في القرآن سموها آية السيف نسخت مائة واربعين آية أو أكثر. اختلفوا في تعيينها " ويكاد المؤلف يبطل مسألة النسخ في القرآن، بما يسحب من أيدي المتشددين سلاحا بتارا قطعوا به رؤوس مئات الآيات الداعية للرفق والعفو واعتماد الحكمة والموعظة الحسنة في التعامل مع غير المسلم تمييزا في صفوف غير المسلمين بين قلة معتدية ظالمة حقها الدفع بالجهاد وبين كثرة مسالمة حقها البر والقسط. ب- اعتماد السنة الصحيحة التي لا تعارض ما هو أقوى منها كالقرآن. فقد ضعّف مثلا حديث"بعثت بالسيف"وأحاديث أخرى معتمدا على منهج المحدثين في الجرح والتعديل، وأول حديثا صحيحا يأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله بحمله على أنه لفظ عام أريد به خصوص مشركي العرب المعتدين . ج- الإغتراف من بحر الفقه كله دون تحيز لفقه مذهب دون مذهب، ودون اقتصار على المذاهب المشهورة، معتمدا منهج المقارنة والتحليل والنقد والترجيح، مميزا بين الفقه والشريعة. الشريعة وضع الهي والفقه عمل العقل في استنباط أحكام الشريعة. والفقه الحق ليس د- اعتماد منهج المقارنة بين الإسلام وغيره من الديانات والقوانين. ه-الربط بالواقع المعاصر:فعلى الفقيه المسلم إذا تحدث عن الجهاد أن يدرك الثوابت في هذه القضية من مثل سنة التدافع وفرضية إعداد القوة المستطاعة لإرهاب أعداء الله ووجوب قتال من يقاتل المسلمين وتحريم الإعتداء . ولكن هناك متغيرات مثل استنكار الحروب والرغبة في السلام وظهور قوانين دولية ومواثيق حقوقية انسانية ونظام الأمم المتحدة واحترام سيادة الدول. وفي هذا الصدد نؤكد أننا "نستطيع ان نعيش في ظل اسلامنا في عالم ينادي بالسلام لا الحرب وبالأمان لا الخوف وبالتسامح لا التعصب وبالحب لا بالكراهية ..نستطيع ان نعيش مع الأمم المتحدة والقوانين الدولية ومواثيق حقوق الإنسان وجماعات حماية البيئة. والحق ان مشكلتنا الكبرى مع اخواننا المتشددين الذين اغلقوا على انفسهم النوافذ وأصروا على وجهة نظر واحدة . آفتهم أنهم يحيون في الماضي لا في الحاضر في الكتب لا في الواقع. و- تبني منهج الوسطية وهو منهاجنا في الدعوة والتعليم والإفتاء والبحث والإصلاح والتجديد. ومن معالم هذا المنهج في الفقه تجديد الدين من داخله فنجتهد لعصرنا كما اجتهد علماؤنا السابقون لعصرهم وأن نفهم النصوص الجزئية في إطار المقاصد الكلية وأن نشدد في الأصول ونيسر في الفروع وأن نتلمس الحكمة من أي وعاء خرجت ونلائم بين متغيرات العصر وثوابت الشرع. ي:ويمكن من خلال دراسة "فقه الجهاد" الإستنتاج بيسر حرص صاحبه على ألا يبرز في الساحة لوحده، منفردا بموقف دون بقية الفقهاء بل هو شديد الحرص أن يوقف الى جانبه باستمرار آخرين قدامى ومعاصرين، حتى وإن كانت آراؤهم متروكة أو مجهولة، فينفض عنها الغبار ويلقي عليها الضوء ويعيد عرضها في ثوب قشيب، باعثا فيها حياة جديدة. كما هو حريص على تعزيز مواقفه بما يتساوق معها من قيم وخبرات الثقافة المعاصرة، مستفيدا من تبحره وغوصه في أعماق وأرجاء مصادر الثقافة الإسلامية واطلاعه على الثقافة المعاصرة، صانعا من كل ذلك صورة جديدة متماسكة، أصيلة ومعاصرة للجهاد الإسلامي تتمتع بمساحة اشتراك واسعة مع السائد من ثقافة معاصرة حول الحرب والسلم. الجديد فيها ليس الأجزاء فمعظمها موجود إلا أنه متناثر في بطون الكتب، وإنما الصورة بحد ذاتها، وهو ما يجعل هذا العمل ساحة لقاء ووفاق، تجد فيه كل الأطراف أو قل معظمها بعض ما هو مألوف لديها بما يسهّل عليها قبول ما هو غير مألوف، وتلك تقاليد عريقة لدى فطاحل علماء السنة أنهم صناع الإجماع في الأمة. ولذلك لم يكن المؤلف مبالغا في تقدير كتابه هذا أنه يمثل حاجة شديدة لفئات واسعة :الشرعيين والحقوقيين والإسلاميين والمؤرخين والمستشرقين والحواريين والسياسيين والعسكريين وجمهور المثقفين. لم يتعرض مفهوم من مفاهيم الإسلام لسيل عارم متتابع من الإساءات اليه والى الإسلام والمسلمين من خلاله كما تعرض له مفهوم الجهاد، وقوعا بين " طرفي الإفراط والتفريط". فهناك فئة تريد أن تلغي الجهاد من حياة الأمة وأن تشيع فيها روح الإستكانة والإستسلام بدعاوى مختلفة كالدعوة الى التسامح والسلام "يصفهم المؤلف بأنهم عملاء للإستعمارالذي بلغت عداوته للجهاد الى حد اصطناع فرق اختلقت لها إسلاما بلا جهاد وجعلت همها الدعوة اليه مثل البهائيين والقاديانيين . وفي مقابل هؤلاء فئة تجعل من فكرة الجهاد حربا ضروسا تشنها على العالم كله، فالأصل عندها في علاقة المسلمين بغيرهم الحرب والأصل في الناس جميعا انهم أعداء للمسلمين. ما داموا غير مسلمين(129). وقد يلتقي هؤلاء الاخيرون مع بعض المستشرقين المتحاملين الذين عرفوا الجهاد كما هو في دائرة المعارف بأنه "نشر الاسلام بالسيف، فرض كفاية على المسلمين كافة وكاد الجهاد أن يكون ركنا سادسا"(ماكدولاند .دائرة المعارف الاسلامية.الترجمة العربية (ص2778) (الجهاد222) 1- جهاد النفس وفيه اربع مراتب : جهادها على تعلم الهدى، وجهادها على العمل به ، وجهادها على الدعوة اليه ، وجهادها على الصبر على ذلك. 2- جهاد الشيطان ، وهو مرتبتان: جهاد ما يلقيه من شبهات قادحة في الإيمان، وجهاد ما يدفع اليه من شهوات ومفاسد. 3- جهاد الكفار والمنافقين وهو اربع مراتب: بالقلب وباللسان والمال والنفس . 4- جهاد الظلمة والفساق وهو ثلاث مراتب: باليد إذا قدر فإذا عجز فباللسان فإذا عجز فبالقلب. ويعتبر المؤلف أن الجهاد ضد الظلم والفساد في الداخل مقدّم على جهاد الكفر والعدوان الخارجي، إلا أنه يؤكد أن المواجهة السلمية هي الأصل في الوقوف في وجه الظالمين " مستفيدين مما طور الآخرون من صيغ معقولة في مواجهة سلاطين الجورمثل البرلمانات المنتخبة والأحزاب والفصل بين السلطات .(198) ثالثا : أهداف الجهاد : الإسلام دعوة الى السلم ويكره الحرب ولكنه لا يستطيع منعها ولهذا يستعد لها ولا يخوضها الا اذا فرضت عليه، وذلك من واقعيته وإقراره بسنة التدافع لكنه عمل على الحد من كوارثها وإحاطتها بأسوار من شرائع وأخلاقيات. ولم يكن الإسلام استثناء في إقراره بحرب الضرورة، من الديانات الأخرى ومنها الديانة المسيحية التي كان أتباعها أكثر أصحاب الديانات صراعا وحروبا فيما بينهم وبين غيرهم.ورد في انجيل لوقا "جئت لألقي على الأرض نارا. أيظنون أني جئت لألقي السلام على الأرض ؟" وفي أسفار العهد القديم دعوات متكررة للإبادة ، ابادة لسبعة شعوب كانت تسكن فلسطين مطلوب تطهير الأرض منها تطهيرا كاملا ويعد "الترنسفار" والمذابح التي اقترفتها العصابات اليهودية الحديثة صورا مخففة منها. رابعا:الجهاد بين الدفع والطلب: على غرار الفقهاء القدامى والمحدثين يعيد القرضاوي امتحان طبيعة الجهاد في عمقها ومكانتها في بنية الإسلام هل هي طبيعة دينية، أي أنه فرض على المسلمين أن يقاتلوا الكافرين حتى يدخلوا الإسلام أو يخضعوا لسلطانه صاغرين، وذلك ما يعنونه بجهاد الطلب؟ أم هو من طبيعة سياسية تقتضيها ضرورات الدفاع عن دار الإسلام بصد المعتدين عليها والدفاع عن المسلمين أن يفتنوا عن دينهم وعن المستضعفين عامة، وهو ما يسمونه بجهاد الدفع؟ ومطلوب من المسلمين إذا اضطروا إليه أن يفعلوه بنيات خالصة لوجه الله، ملتزمين بأخلاقيات ثابتة لا يحيدون عنها. 1-أن ما ورد من في القرآن الكريم وبخاصة في سورة التوبة من نصوص تأمر بقتال المشركين كافة، كانت من قبيل المعاملة بالمثل"كما يقاتلونكم كافة" ولم تكن توجيها عاما وقاعدة للتعامل مع غير المسلمين كافة بل كانت حديثا عن فئة مخصوصة من مشركي العرب بدأت بحرب الإسلام منذ ظهوره وطاردته حتى في مهجره ونكثت العهود وألبت عليه الجميع لاستئصال شأفته " ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة"(9/12)، وفي السورة نفسها وفي غيرها ما يخصصها من مثل"وإن جنحوا للسلم فاجنح لها"(8/60) ولا مجال لضرب القرآن بعضه ببعض بل الأصل إعمال كل الآيات والأحاديث وهي تجتمع على إقرار قاعدة: الإسلام يسالم من يسالمه ويحارب من يحاربه. 2- إن الجهاد القتالي ليس فريضة على كل مسلم في كل حال مثل فريضة الشهادتين والصلاة والصيام والزكاة والحج لأنه على أهميته في بنية الإسلام لم يرد في الأوصاف الثابتة للمتقين التي وردت في سورة البقرة وفي أوصاف المومنين كما وردت في سورة الأنفال وسورة المومنون، وصفات أولي الألباب في الرعد وصفات عباد الرحمن في الفرقان وصفات المحسنين في الذاريات وصفات الأبرار في سورة الإنسان، بما يجعل ممارسة الجهاد القتالي فريضة تجب على المسلمين فقط عندما تتوفر موجباتها من مثل العدوان على المسلمين وعلى بلادهم وعلى دينهم . أما الإعداد له فواجب عليهم في كل حال بحسب الوسع سبيلا للردع وتحقيقا للسلم. 3- ليس على المسلمين غزو ديار الكافرين إذا كانوا آمنين على أنفسهم منهم . وحسبهم أن يكون لهم جيش مرهوب الجانب مسلحا بأحدث الأسلحة وعلى أعلى مستوى من التدريب ينشر قواته في كل الثغور حتى يرتدع الأعداء ولا يفكروا في الهجوم على المسلمين فيكون فرض الكفاية قد أدي، (ص91).مع ملاحظة أن القرضاوي يؤثر استخدام مصطلح غير المسلمين بديلا عن مصطلح الكافرين فذلك عرف القرآن في الإستعمال "يأهل الكتاب" "ياأيها الناس" "ياأيها الإنسان" "يابني اسرائيل" "ياقومي" "يابني آدم". ولم يخاطب غير المسلمين بالكافرين إلا في حالات خاصة كانت فيها مساومات على العقيدة. 4- لقد اعترف الإسلام بحرية المعتقد ومسؤولية الإنسان على معتقده أمام الله، وعلى أساس ذلك لم تعرف مجتمعاته الحروب الدينية، فقد تعايشت في ظله ولا تزال كل الديانات السماوية والوضعية، وفق نظام الذمة الذي خوّل المواطنة حتى لغير المسلمين مهما اختلفت دياناتهم، حسبهم ليتمتعوا بحقوق حماية الدولة المسلمة على غرار المسلمين أن يؤدي القادرون منهم ضريبة "الجزية"، وهي تقابل في العصر ضريبة الخدمة العسكرية. وحسب القرضاوي يمكن على أساس توحيد الوعاء الضريبي وتعميم الخدمة العسكرية الإستغناء عن مثل هذه الأنظمة التي تعرضت للتشويه. 5- إن الظروف التاريخية وليست نصوص الإسلام هي ما دعا كثيرا من الفقهاء الى القول بفرضية جهاد الطلب لغزو ديار الكافرين، إذ كانت الأمة مهددة باستمرار من جيرانها الأقوياء دولة الفرس ودولة الروم (ص82)، حيث لم تكن قوانين دولية تقوم على تبادل الإعتراف بين الدول ومنع العدوان كما هو اليوم رغم تجاوز الأقوياء لها. 6- الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو السلم والتعاون على الخير. فالاسلام يبغض الحرب ولا يقدم عليها إلا وهو كاره مضطر"كتب عليكم القتال وهو كره لكم"/2/215.والسلم هو عنوان الإسلام وهو تحية المسلمين وتحية أهل الجنة وهو اسم من أسماء الله. وأبغض الأسماء عند الله "حرب". وكانت العرب محاربة وتتسمى بهذا الإسم ، لكن النبي عليه السلام عندما أخبره زوج ابنته بأن فاطمة رزقت ولدا وأنه سماه حرب أمره ان يسميه "حسن" 7- الإسلام يرحب بالمواثيق الدولية التي تحظر العدوان وتنادي الى السلم في علاقات الدول كما يرحب بالهيآت الدولية التي تقوم على رعايتها مثل الأمم المتحدة واليونيسكو. إلا الغرب لا يزال يؤمن بمبدإ القوة في علاقاته بالدول والأمم الاخرى . ومن ذلك احتكار دوله الكبرى لحق الإعتراض في تحد صارخ لمبدإ المساواة وضمانا لحماية مصالحها وضروب عدوانها من كل إدانة كما فعلت الولايات المتحدة وبريطانيا في غزوهما للعراق دون تفويض آمنتين من كل إدانة وكما تفعلان في حمايتهما لكل ما يقوم به الصهاينة من ضروب عدوان على فلسطين وأهلها 8- في ظل الإعتراف الدولي بحقوق الإنسان ومنها حقه في حرية الإعتقاد والدعوة اليه وإقامة مؤسساته وحماية الأقليات ينتفي مسوغ أساسي من مسوغات جهاد الطلب أي الغزو من أجل الدعوة الى الإسلام وما يقتضيه ذلك من إزاحة عقبة الأنظمة الطاغوتية التي كانت تمنع الشعوب من أن تفكر أو تؤمن بخلاف الفرعون الذي لم يتردد في الإستنكار على بني اسرائيل أن يومنوا به قبل أن يأذن لهم"ءامنتم به قبل أن آذن لكم"(70-20) بينما اليوم قد انداحت في الأرض كما لم يحصل في أي فترة ماضية من تاريخ الإسلام مساجده وأقلياته، بما يجعل حاجتنا أكثرالى "جيوش جرارة من الدعاة والمعلمين والإعلاميين المدربين المقتدرين على مخاطبة العالم بلغاته المختلفة وبأساليب عصرهوللاسف الشديد لا نملك ولو واحد من الألف من المطلوب"(16) ويتحسر القرضاوي على أنك قد تجد الكثير ممن هو مستعد لأن يموت في سبيل الله ولكن القليل القليل من يملك الإستعداد ليعيش في سبيل الله. 9- تكشف مصادر الإسلام أن العالم ينقسم من وجهة نظر الإسلام الى عوالم ثلاثة: دار اسلام حيث تسود شريعته وفي الأقل تظهر شعائره ويأمن القائمون بها والداعون لها، ودار عهد أي دول بينها وبين دولة المسلمين أو دولتهم تبادل اعتراف ومنع اعتداء، ودار حرب. ويعتبر القرضاوي أن المسلمين بمقتضى كونهم جزء من نظام الأمم المتحدة هم في حالة تعاهد مع كل دول العالم باستثناء دولة الكيان الصهيوني، بسبب اغتصاب الصهاينة لأرض فلسطين وتشريدهم لشعبها، والمؤسف أن ذلك قد تم بمساعدة الدول الكبرى ولذلك يعتبر القرضاوي أن المشكلة الأكبر في علاقتنا بالغرب هذه المشكلة دعمه الثابت غير المحدود لإسرائيل وعدوانها المستمر على فلسطين وأهلها. 10- يميز القرضاوي بين الجهاد والإرهاب أو قل بين الإرهاب المشروع أي ارهاب العدو لمنعه من العدوان، وبين الارهاب غير المشروع، وهو ترويع الآمنين بمثل ما تفعل بعض الجماعات المنتسبة للإسلام من إعلانها الحرب على العالم في استخدام غير مشروع للجهاد في غير موضعه، إذ تروع الآمنين مسلمين وغير مسلمين من أجل تحقيق أهداف سياسية تزعمها سواء داخل دار الإسلام أو خارجها، في مخالفات صريحة لمبادئ وأخلاقيات الجهاد في الإسلام. ولذلك استنكر القرضاوي أحداث العنف المعروفة التي اقترفتها هذه الجماعات المتشددة في بلاد اسلامية وغير اسلامية في حق نفوس آمنة سواء أكانوا سواحا مستأمنين أو غيرهم. وفند مشروعية ما تقترفه هذه الجماعات من قتل عشوائي واستباحة لأرواح ودماء معصومة. 11- القرضاوي حريص أيما حرص على التمييز بين جماعات التشدد المعلنة حربها على العالم في قتل عشوائي أساء للإسلام ايما اساءة ومكن لأعدائه أسلحة ماضية في حربه، وبين جماعات المقاومة للإحتلال، فبقدر ما شجب الأولى وفند أسانيدها بقدر دفاعه عن الثانية وتحريضه الأمة للوقوف معها وبخاصة في فلسطين، على أن تستهدف أعمالها العسكريين. ولم يتردد في تسويغ العمليات الإستشهادية معتبرا إياها سلاح المضطر الذي حرم من سلاح مكافئ لما في يد عدوه لدفعه عن داره وارضه إلا أن عدالة الله سبحانه تأبى أن يحرم الضعيف من أي سلاح، فكان استخدامه لجسمه ذاته سلاحا رادعا. وفي كل الأحوال يجب الإلتزام بأخلاقيات الجهاد في الإسلام فلا يستهدف إلا مقاتلا 13- وكما كان له ولشيخه محمد الغزالي دور ريادي في التصدي لتلك الجماعات ومنعها من اختطاف الإسلام ودفعها عن المجرى الرئيس للإسلام نحو الهامش بتعرية أعمالها عن كل مشروعية جهادية اسلامية داخل دار الإسلام وخارجها فقد نوه بالمراجعات المهمة التي قامت بها أهم تلك الجماعات واجدة في أعماله بعد أن كانت تطعن فيها سندا قويا للإقدام على تلك المراجعات التي وصفها بالشجاعة والمستنيرة(ص1168) خامسا : أخلاقيات الجهاد : الحرب في الإسلام أخلاقية مثل السياسة والإقتصاد والعلم والعمل فكلها لا تنفصل عن الإخلاق خلافا للحرب في حضارة الغرب ليس من اللازم ان تنضبط بالأخلاق . يحكم الحرب عند المسلمين دستور أخلاقي، لأن الأخلاق هنا ليست نافلة بل جزء من الدين. ومن ذلك: أ- تحريم الإسلام استخدام الأساليب غير الأخلاقية لإختراق الأعداء والإطلاع على اسرارهم عبر المحرمات كالجنس والخمرلاستدراج القائمين على تلك الأسرار. ب- منع العدوان (,قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)/2.190/وفسر الإعتداء بقتل غير المقاتل أو قتل النساء والأطفال والشيوخ وأمثالهم ممن لا يباشر القتال كالفلاحين .(ص728). ومن أخلاقيات الجهاد تحريم المثلة بالعدو . ج- الوفاء بالعهود وتحريم الغدر والخيانة . د تحريم قطع الشجر وهدم الأبنية. ه-لا مشروعية اسلامية لإستخدام ما يسمى بأسلحة الدمار الشامل كالأسلحة الكيمياوية والجرثومية والنووية التي تقتل الألوف والملايين دفعة واحدة وتأخذ المسيء بالبريئ وتدمر الحياة والأحياء هذه الأسلحة يحرم الإسلام استخدامها لأن الأصل في القانون الإسلامي لا يجوز قتل من لا يقاتل / وقد أنكر النبي عليه السلام قتل امراة في احدى المعارك. لكن ذلك لا يمنع الأمة بل يوجب عليها السعي لامتلاك هذه الأسلحة الرادعة ما دام غيرها يمتلكها ويمكن أن يهددها بها ولا سيما أن العدو الصهيوني الذي اغتصب ارضها أمسى يمتلكها لا سيما وأنه يجد في سفر التثنية ما يجيز لهم في البلاد القريبة أن لا يبقوا فيها نسمة. وأعجب ما في الأمر أن تمتلك امريكا والدول الكبرى هذه الأسلحة ثم تحظر عن الآخرين امتلاكها. تمنعها عن البلاد العربية والإسلامية بينما اسرائيل تمتك أكثر من مائتي قنبلة نووية. ولقد أسهم الردع المتبادل بين المعسكرين الغربي والشرقي في تحقيق السلام العالمي وكذا حصل بين الهند وباكستان. لا يجوز استخدام هذه الأسلحة إلا في حالة الضرورة القصوى، حيث تتعرض الأمة لخطر وجودي. (ص592): ي- ومن أخلاقية الإسلام دعوته المجاهدين الى إحسان معاملة الأسرى. وبعد مناقشة مستفيضة للنصوص الواردة ولمختلف الإجتهادات حول الحكم في الأسير وخصوصا هل يحل قتله؟ انتهى الى اعتبار أن الحكم النهائي هو الذي ورد في سورة القتال"فإما منّا بعد وإما فداء"، وقد يستثنى من ذلك مجرموا الحرب. وعموما يقر القرضاوي ما ورد في مواثيق جنيف في شأن التعامل مع الأسرى. المادة الأولى:لا يجوز قتل النساء والأطفال والشيوخ المادة الثالثة: يحرم قتل المدنيين الذين ليسوا من أهل المقاتلة والممانعة المادة الرابعة: لا يجوز التمثيل بجثث القتلى من الأعداء المادة السادسة: الرحمة بالأطفال والصبيان فلا يجندون للحرب إلا بعد بلوغهم وقدرتهم على القتال.(ص1167) وكل ذلك يشهد على أن الجهاد هو من طبيعة سياسية اقتضتها ضرورات الدفاع عن دار الإسلام ، بصدّ المعتدين عليها والدفاع عن المسلمين أن يفتنوا عن دينهم وعن المستضعفين عامة، إلا أن هذه الأداة السياسية يوجب الإسلام التزامها بدستوره الأخلاقي العقدي. وفي الخلاصة: : إنه مهما بلغ هذا العمل في هذه القضية الكبرى من العمق والإحاطة تبقى جوانب منها تحتاج للمزيد من التعمق والبيان من مثل وضعية العلاقة بين الدولة/الدول الإسلامية، وبين دول تضطهد أقليات اسلامية اضطهادا قد يبلغ حد فتنتها عن دينها واستهدافها بالإستئصال،كما حصل للأقليات الاسلامية في ظل الإتحاد السوفياتي سابقا وفي الصين حاليا وبورما والفلبين ..الخ.كانت قبل ضم أراضيها أغلبية وسيدة في أرضها.هل يسري عليها اعتبار المؤلف أن العالم كله دار عهد وسلم حسب قانون الأمم المتحدة وانحصرت علاقات الحرب في اسرائيل، بينما آيتا الممتحنة "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا اليهم.."اللذان اعتبرهما المؤلف تمثلان الدستور الذي يحكم علاقة الدولة الاسلامية بغيرها يستثني مثل تلك الدول التي تفتن مسلميها، من علاقات السلم معها. أما إذا أردنا أن يشملها السلم على أساس أنها مستثناة بآية الانفال "إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق "، فهل يجوز عقد ذلك الميثاق أصلا مع دولة تضطهد المسلمين وتغتصب أرضهم؟، والشبه كبير بين ما تعرضت وتتعرض له أقليات اسلامية من تقتيل وترحيل وتطهير وبين ما حصل ويحصل في اسرائيل بل أشد منه؟ وبالنسبة للكيان الصهيوني الذي حرّم الشيخ مع جمهور الفقهاء إقامة علاقة سلم معه، ما أثر مواثيق السلم التي عقدتها "دول اسلامية"معه، على واجب المسلمين في دعم حركات المقاومة؟:هل يجب أن ينضبط بمواثيق تلك الدول؟. وعلى ذلك تأسس التزام النظام المصري بالحصار المفروض على غزة و إدانته لخلية حزب الله في مصر وحوكم أسلاميون مثل د.عبد الفتوح؟أم يجب اعتبار تلك المواثيق باطلة أصلا وما بني عليها مثلها؟ وفي هذه الحالة كيف تكون العلاقة مع مثل تلك الدول التي تعقد متحدية إرادة شعوبها ،علاقات سلم مع أعداء الأمة؟ هل يجوز الخروج عليها بنوع من أنواع الخروج إذا توفرت أسبابه باعتبارها متحدية لمصالح الأمة العليا وما هو معلوم من الدين من واجب موالاة المسلمين، على غرار الدول العلمانية المتطرفة التي تجاهر بمحاربة التدين وتتبنى خطط تجفيف منابع التدين حتى جرّمت المسلمة التي تأتمر بأوامر ربها وحرمتها من التعلم والتوظف والعلاج ولم يعد مرجعية تلك الدول الإسلام بقيمه وموازينه ومفاهيمه وشرائعه، تلك الدول التي تحدث عنها المؤلف وأجاز الخروج عنها إذا توفرت أسبابه، لولا أن المؤلف يعتبر أن الجماهير لم تعد تملك من القوة لمواجهة مثل تلك الحكومات، فالواجب اتخاذ الوسائل السلمية في التغييرالتي تطورت في عصرنا وغدت ميسورة وأطاحت بدول عديدة عبر الحملات الإعلامية والإضرابات والمسيرات بقيادة جبهات شعبية منظمة ؟ (ص1187وما بعدها)
- ورقة مقدمة في ندوة الجهاد في جامعة ادنبره بتاريخ 9 سبتمبر 2009
المشاهدات: 696 التعليقات (0)
![]() |